زكريا القزويني
344
آثار البلاد واخبار العباد
أحسن ما تخلّصت وخلّصت غيرك ! وجزع عليه فطرس بن سنمّار فصوّره على أحسن مثال ، بحيث لا يكاد يفرق بينهما إلّا بإدارات الروح ، وجاء كسرى فتأمّله باكيا وقال : يشدّ ما بقي هذا التمثال إلينا ، وذكرنا ما يصير حالنا إليه بموت جسدنا وطموس صورتنا ، ودروس أثرنا الذي لا بدّ منه ، وسيبقى هذا التمثال أثرا من جمال صورتنا للواقفين عليه حتى كأنّنا بعضهم ونشاهدهم . وحكي من عجائب هذا التمثال انّه لم ير مثله ، ولم يقف أحد منذ صوّر من أهل الفكر اللطيف والنظر الدقيق عليه إلّا تعجّب منه ، حتى قال بعض الناس : انّها ليست من صنعة البشر ! ولقد أعطي ذاك المصوّر ما لم يعط غيره ، فأيّ شيء أعجب من أن سخّرت له الحجار كما أراد ، حتى في الموضع الذي أراد أحمر جاء أحمر ، وفي الموضع الذي أراد أبيض جاء أبيض ، وكذلك سائر الألوان ، والظاهر أن الأصباغ التي فيه عالجها بصنف من المعالجات العجيبة لم يغيّرها طول الليالي ، وصوّر الفرس واقفا في وسط الإيوان ، وكسرى راكب عليه لابس درعا كأنّه زرد به من حديد ، يتبيّن مسامير الزرد في حلقها ، وصوّر شيرين بحيث يظهر الحسن والملاحة في وجهها كأنّها تسلب القلوب بغنجها . وسمعت أن بعض الناس عشق على صورة شيرين ، وصار من عشقها متيّما ، فكسروا أنفها لئلا يعشق عليها غيره . وذكر قصة شبديز خالد الفيّاض فقال : والملك كسرى شهنشاه يقبضه * سهم بريش جناح الموت مقطوب إذ كان لذّته شبديز يركبه * وغنج شيرين والدّيباج والطيّب بالنّار آلى يمينا شدّ ما غلظت * ان من يد أفعى الشبديز مصلوب حتى إذا أصبح الشّبديز منجدلا * وكان ما مثله في الناس مركوب ناحت عليه من الأوتار أربعة * بالفارسيّة نوحا فيه تطريب ورنّم الهربد الأوتار فالتهبت * من سحر راحته اليسرى شآبيب